الخميس مايو 24

القائد «التاريخي» إلى مزبلة التاريخ

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. طباعةإرسال إلى صديق
faisal_qasem1الكاتب: د.فيصل القاسم
كلّنا يعرف أنّ الإنسان العربي كان محكوماً عليه بمعاصرة زعيم واحد أو اثنين على الأكثر خلال حياته حتى وإن تجاوز عمر المواطن التسعين عاماً، فهو يولد على وقع خطابات الزعيم، ويتزوج، وينجب أطفالاً، وربما يزوج أبناءه وما يزال الزعيم حاكماً حتى لو كان على فراش الموت غير قادر على التحكم بوظائفه الفيزيولوجية أو فاقداً الوعي منذ سنين. لا عجب أن تهكّم أحدهم ساخراً ذات مرة: "إنّ الأناس الوحيدين الذين لا يطلّقون زوجاتهم (الأوطان) هم الحكام، فهم، من شدة ورعهم، يؤمنون بقوة أنّ الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله"، وعندما يرحلون أو تكنسهم الشعوب تحل الفاجعة لأنّهم ربطوا مصير بلدانهم بمصيرهم.

على العكس من وضعنا العربي، عندما يرحل زعيم غربي لسبب أو لآخر يجد شعبه آلاف الأشخاص الأكفـاء كي يحلوا محله دون عناء ولا جلبة، ولا تحدث أزمات، ولا خلافات، ولا يستنفر الجيش وأجهزة الأمن، ولا يصبح مصير البلاد على كف عفريت لمجرد أنّ حاكمها قد انتهى. أما عندنا نحن العرب فتدخل البلاد والعباد في نفق مظلم، كيف لا وقد قام سيادته أو فخامته على مدى سنوات حكمه الطويلة بعملية إخصاء عنيفة ومنظّمة لكل من فكّر يوماً بأن ينافسه على الحكم كي يكون هو الفحل الوحيد في الدولة، ناهيك عن أنّ الزعيم العربي يعمد عادة إلى شن حروب استباقية شعواء ضد أيّ طامح بالزعامة حتى بعد خمسين عاماً، وذلك على طريقة الملك هيرود.
وقد صوّر أحد رسامي الكاريكاتير العرب تلك السياسة الاستئصالية الاحتكارية عندما رسم صورة لحاكم عربي وهو يحمل في يده مصباحاً كهربائياً يضيئه فوق من يشاء من مساعديه لسويعات إذا كان راضياً عنه، ويطفئه حينما يغضب عليه. بعبارة أخرى فإنّ الحاكم العربي لا يسمح لأحد أن ينافسه على بقعة الضوء، فهو الوحيد الذي يجب أن تُـسلّط عليه الأضواء، وكل من يفكّر بمنافسته فهو ملعون مطعون إلى يوم الدين. وقد لاحظنا أنّ بعض الزعماء العرب كان يرفض حتى فكرة أن يكون له نائب ينوب عنه في تسيير أمور الدولة إذا مرض أو كان مشغولاً بقضايا عاجلة. وقد تحجج بعض الزعماء بأنّه لم يجد الشخص المناسب في طول البلاد وعرضها كي يكون نائباً له! وحتى إن تكرّم بعضهم وعيّن لنفسه نائباً فيكون نكرة أو ضعيف الشخصية أو لا محل له من الإعراب السياسي إلاّ ربما في محل مجرور بحيث يُجَر ولا يَجُر. لهذا السبب تحديداً ليس لدينا قادة أقوياء يمكن أن يحلوا محل الزعيم الأوحد عندما يرحل لسبب أو لآخر، لأن "القائد" العربي يعمل منذ البداية على إحاطة نفسه بمجموعة من المواليين من وزن الريشة، الذين لا يتمتعون بأيّ شعبية أو هيبة، وهو يحاول أن يضمن دائماً أن لا يكون هناك من يخلفه حتى بعد مماته، شأنه في ذلك شأن كل الطغاة.
ومن سخرية القدر أنّ أبواق الإعلام الرسمي العربي كانت تصوّر لنا ذلك النوع من الزعماء زوراً وبهتاناً على أنّهم "قادة تاريخيون"، وبدلاً من تجريمهم وفضحهم على تجميع كل السلطات في أيديهم وشل الحياة السياسية في البلاد وشخصنة الدولة كان الكثير من الكتّاب العرب يتغنّى بأمجادهم وبطولاتهم الفارغة كما لو أنّ الزمان لن يجود علينا بأمثالهم. وقد كنت ذات يوم شاهداً على لقاء بين كاتب عربي وصحفي غربي دار حول تلك النوعية من الزعماء العرب، فقد تفاخر الكاتب العربي بأنّ لدينا قادة كارزميين عظاماً عزّ مثيلهم، فرد عليه الصحفي الغربي ساخراً: "نحن ومن حسن الحظ ليس لدينا هذا النوع من الحكام التاريخيين الذين أصبح بعضهم تاريخيين لمجرّد أنّهم جثموا على صدوركم ردحاً أو تاريخاً طويلاً من الزمن، لكن لدينا القدرة أن نفرز ألف قائد ليحل محل زعمائنا عندما يرحلون، لأن بلادنا ليست مختصرة في شخص سيادته أو فخامته. أما أنتم يا عرب، فمشكلتكم أنّ زعماءكم التاريخيين يعملون بمبدأ أنا ومن بعدي الطوفان، أو إذا مت ظمآناً فلا نزل القطرُ. وقد يعتبر بعضكم أيّها العرب المهوسون بالقائد الرمز أو الضرورة أو الملهم أنّ الجيل الجديد من الزعماء ليس بكارزمية وفخامة الجيل القديم، وهذا صحيح، لكن فقط لأنّ وسائل إعلامكم لم تأخذ بعد الوقت الكافي من الكذب والتزييف والتلفيق كي تصنع منهم قادة تاريخيين مزعومين. ولو كنتم تفقهون أيّها العرب لحمدتم ربكم لأنّكم تخلّصتم من القادة الأفذاذ الذين أوصلوكم إلى ما أنتم عليه من بؤس ومهانة. أليست العبرة دائماً بالنتائج يا صديقي؟" يتساءل الصحفي الغربي. لكن الكاتب العربي حاول أن يدحض نظرية الصحفي بأنّ الطوفان لم يأت دائماً بعد رحيل "قادتنا العظام"، فأجابه الصحفي الغربي:
"الطوفان يا صديقي فعلا ًلم يأت في أحيان كثيرة لحسن الحظ بعد رحيل هذا الزعيم التاريخي المزعوم أو ذاك، لكن ليس لأنّه خلف وراءه مؤسسات تستطيع أن تدير الدولة في حال غيابه، بل لأنّه يكون قد ورّث القيادة التاريخية لنظام مشابه أو لذريته أو حاشيته الميمونة التي (تتزوج البلاد) من بعده وربما تصبح تاريخية أتوماتيكياً. لا أحد يستطيع أن يضاهيكم أيّها العرب، فأنتم لا تورثّون القيادة لأبنائكم وأحفادكم فقط، بل تورثّون لهم التاريخ معها، فحتى التاريخ يصبح ملكاً للقائد البطل وعشيرته عندكم، ومن يدري فقد يلجأ قادتكم التاريخيون إلى استنساخ أنفسهم بحيث يسودون مدى الدهر ويصبحون قادة خالدين".
لكن بفضل الثورات المباركة فإننا متفائلون بأنّ هذا النوع من القادة "التاريخيين" سيذهب إلى مزابل التاريخ بلا رجعة، خاصة وأنّ مصطلح "القائد التاريخي" قد تحوّل إلى بزنس سياسي مفضوح وغدا، في الكثير من الأحيان، الاسم الكودي للفساد والطغيان والاستبداد والديكتاتورية والاحتكار والاستئثار والتخريب والنهب والسلب. أليس من حق الإنسان العربي بعد كل ذلك أن يكفر بقادته "التاريخيين"، ويتمنّى لهم جهنم وبئس المصير؟

falkasim@gmail.com

المواضيع الأحدث في هذا القسم:
المواضيع الأقدم في هذا القسم:

التعليقات (1)Add Comment
سوري مستقل 3H1J E3*BD
04 01 2012
...

نعم نحن معك ياسيد فيصل ,أنت تقصد أمير قطر , والسعودية والبحرين ,, أحسنت ,ستفقد وظيفتك وسترجع الى سوريا ........

أضف تعليق
 
  تصغير | تكبير
 

busy
الرئيسيــة
أخبار الأردن
أخبار فلسطين
أخبار العراق
الاخبار العربية والدولية
أخبــار القنــاص
أخبــار الشركـات
إقتصـــاد
الرياضــة
حول العالم
خارج عن القانون
أقـلام عرب نيوز
شباب وجامعات
مقـالات مختـارة
مقـالات القــراء
قلــم رصــاص
صرخــة محــروم
تحقيقات صحفية
الشكــاوي
أريــد حــلاً
إعلانات مبوبة
ارسل لنا خبرا
استراحة عرب نيوز
فعاليات
انتخابات 2010
 
 

أقــلام عـرب نيـوز

عن قطر وجزيرتها .. وسوريا وكوبا
Read Detailsالكاتب: ماجد العطي يسألني صديقي هل تأكد مقتل ماهر الاسد لا سمح الله على أيدي هؤلاء المرتزقة,...
يا أيها الأردنيون العقلاء الشرفاء
Read Detailsالكاتب: إبراهيم القعيرقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم...
الهروب من أغلى البشر
Read Detailsبقلم : أسرف ابراهيم الفاعوري كنت اسير والقلب كان وما يزال فيه بعضٌ من فرح وشغف...
فشل المفاعل النووِي في جامعة العلوم والتكنولوجيا‏
Read Detailsالكاتب : د. باسل برقان جاءت التصريحات الأخيرة من قبل هيئة الطاقة الذرية للوفد الكويتي الزائر، مغايرة...
اللغة العربية بين الاعتزاز بالهوية والثقافة الدخيلة
Read Detailsالكاتب: وفاء خصاونة  اللغة العربية هي لغة القرآن والسنة واهل الجنة واللغة التي كان يتحدث بها...
الأوزون والفيزون
Read Detailsالكاتب: يسري غباشنة ظاهرتان كونيتان؛ الأولى خزق في الفضاء، والأخرى خوازيق على الأرض. أنصار البيئة مشغولون بقضايا...

مقـــالات مختــارة

تسجيلات طوقان.. مفبركة أم صحيحة؟
Read Detailsالكاتب : فهد الخيطان أثارت التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى رئيس هيئة الطاقة الذرية، الدكتور خالد طوقان،...
إستيقظ السلفيون وأعلنوا حربهم على (مدرسة المشاغبين) ..أزواج متعددون على فراش التلفزيون الأردني
Read Detailsالكاتب: بسام البدارين بعض الأعمال الفنية لا يمكن إلا الإستمتاع بها حتى بعد مشاهدتها للمرة الألف.. هذا...

مقــالات القــراء

الأمة وثقافة الإنهزام
Read Detailsالكاتب : رقية القضاة منذ ان استخلف الله الإنسان في الأرض،وأقامه فيها لعبادته وإعمار أرضه، سخّر له...
هل يغضب ملك البلاد لغضب الشعب الأردني ؟
Read Detailsالكاتب: محمد سليمان الخوالده  كثيرة هي الحالات التي أغضبت ملك البلاد وانتصر فيها لشعبه ، وكثيره...
يمكن الاقتباس و إعادة النشر شريطة ذكر المصدر .. ( عرب نيوز ) الآراء والتعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها فقط
جميع الحقوق محفوظة لـ : عرب نيوز 2006 - 2009
www.3rbnews.net